القيشا… القهوة التي اكتُشفت مرتين
قهوة قيشا الإثيوبية: من شجرةٍ برّية في غابات إثيوبيا إلى أغلى قهوةٍ في العالم هذه قصّتها.
في صباح أحد أيام عام ٢٠٠٤، جلس في مدينة بوكيتي البنميّة عددٌ من ألمع مذوّقي القهوة في العالم أمام طاولة التحكيم. كانوا قد ذاقوا في حياتهم آلاف العيّنات حتى صار الفنجان عندهم متوقَّعًا، يكاد يخبرهم بما فيه قبل أن يرفعوه. ثم وصلَت عيّنة من مزرعة تُدعى هاسيندا لا إسميرالدا. رفعوا الفنجان فوجدوا رائحة ياسمين. ذاقوه فوجدوا برغموتًا وشايًا أسود، بلا شيءٍ من ثِقَل القهوة المعتاد أو خشونتها. ظنّ بعضهم أنّ في الأمر خطأً، وأنّ العيّنة اختلطت بشيءٍ آخر. لم يكن ثمّة خطأ. كان ذلك أول لقاءٍ حقيقيّ بين عالم القهوة المختصة والقيشا بصورتها التي نعرفها اليوم.
والقيشا نفسها لم تكن وليدة تلك اللحظة. فبذورها جُمعت أول مرّة قبل ذلك بنحو سبعين عامًا، ثم نسيها الجميع.
لنعُد إلى البداية. في عام ١٩٣٦، كان قنصلٌ بريطانيّ اسمه والي يتنقّل في غابات جنوب غرب إثيوبيا، قرب بلدةٍ تحمل اسم قيشا. هناك، بين أشجارٍ تنمو وحدها لم يزرعها أحد، جمع بذورًا من شجرة قهوةٍ برّيّة وحملها معه. لم يكن يدري أنه يحمل في حقيبته شيئًا سيختبئ عقودًا طويلة قبل أن يُدهش الناس.
بدأت البذور رحلةً طويلةً هادئة. ذهبت أولًا إلى كينيا، ثم إلى تنزانيا، ثم عبرت المحيط إلى كوستاريكا حيث حُفظت في محطة أبحاثٍ زراعية بين مئاتٍ من الأصناف الأخرى. كانت لها صفةٌ واحدة جعلت المزارعين ينتبهون إليها قليلًا: مقاومتها لمرضٍ يصيب أوراق القهوة. لهذا حملها بعضهم إلى بنما وزرعوها في المرتفعات، لا حبًّا في طعمها، بل لأنها شجرةٌ صلبة لا تمرض بسهولة.
ثم نُسيت. كانت أغصانها طويلة، وثمارها قليلة، وقطفها متعبًا؛ فلم يرَ فيها أحدٌ قهوةً تستحقّ العناء. ظلّت سنواتٍ تنمو على أطراف المزارع كأنها سياج، بينما تُجمع حولها الأصناف الأخرى وتُباع، وهي وحدها متروكة.
حتى جاء ذلك الصباح في ٢٠٠٤. حين ذاقها المحكِّمون انقلب كل شيء. بِيعَت القيشا يومها بسعرٍ لم تبلغه قهوةٌ من قبل، وتغيّر بها معنى أن تكون القهوة نادرة. الشجرة نفسها التي تُركت عند الأسوار صارت أغلى ما يُقتنى في عالم القهوة.
لكنّ الحكاية، إنْ أردنا الإنصاف، لم تبدأ في بنما. بدأت حيث وُجدت الشجرة أول مرّة: في غابات إثيوبيا. هناك لا تزال القيشا تنمو كما نمت دائمًا، برّيّةً بين الأشجار، دون كيماويات ولا مبيدات، تأخذ ما تعطيه الأرض وحدها، ويبطّئ الارتفاعُ العالي نضجَها فيكثّف نكهتها. هذه الغابات نفسها هي المصدر الذي تعتمد عليه دبي قيشا اليوم في اختيار حبوبها. وما زالت أجود أنواع القيشا تأتي من المرتفعات الإثيوبية التي وُلدت فيها الشجرة أول مرّة، من مناطق اشتهرت بين خبراء القهوة بنقائها وارتفاعاتها الفريدة.
وحين تشربها أخيرًا، تفهم سبب تلك الضجّة كلها. مرارتها أقل بكثير مما اعتاده معظم شاربي القهوة؛ فما يطغى على الفنجان ياسمينٌ وشايٌ أسود ولمسةُ برغموت تبقى في فمك بعد أن تنتهي. قهوةٌ خفيفةٌ على المعدة، صافية، أقرب إلى الشاي الرفيع منها إلى ما اعتدناه أن نسمّيه قهوة.
نحن في دبي قيشا نأخذ هذه الحبّة من غاباتها الإثيوبية ونحمّصها هنا، بعنايةٍ تليق بقصّتها. لا نضيف إليها شيئًا، ولا ندّعي فيها ما ليس فيها؛ مهمّتنا أن نوصلها إليك كما هي.
لسبعين عامًا كانت القيشا تنمو في صمت، لا يعلم أحدٌ ما تخبّئه في داخلها. واليوم، بعد أن عرف العالم قيمتها، لا يزال أجملُ ما فيها أنها لم تتغيّر. ما زالت الشجرة نفسها التي نمت في غابات إثيوبيا منذ البداية.